الشوكاني

122

فتح القدير

سورة الأنعام الآية ( 59 ) قوله ( قل إني نهيت ) أمره الله سبحانه أن يعود إلى مخاطبة الكفار ويخبرهم بأنه نهى عن عبادة ما يدعونه ويعبدونه من دون الله : أي نهاه الله عن ذلك وصرفه وزجره ، ثم أمره سبحانه بأن يقول لهم ( لا أتبع أهواءكم ) أي لا أسلك المسلك الذي سلكتموه في دينكم من اتباع الأهواء والمشي على ما توجبه المقاصد الفاسدة التي يتسبب عنها الوقوع في الضلال . قوله ( قد ضللت إدا ) أي اتبعت أهواءكم فيما طلبتموه من عبادة معبوداتكم وطرد من أردتم طرده ( وما أنا من المهتدين ) إن فعلت ذلك ، وهذه الجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها ، والمجئ بها اسمية عقب تلك الفعلية للدلالة على الدوام والثبات ، وقرئ ( ضللت ) بفتح اللام وكسرها وهما لغتان . قال أبو عمرو : ضللت بكسر اللام لغة تميم ، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة بن مصرف . والأولى هي الأصح والأفصح ، لأنها لغة أهل الحجاز ، وهي قراءة الجمهور . قال الجوهري : والضلال والضلالة ضد الرشاد . وقد ضللت أضل . قال الله - قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي - قال فهذه : يعني المفتوحة لغة نجد وهي الفصيحة . وأهل العالية يقول : ضللت بالكسر أضل انتهى . قوله ( قل إني على بينة من ربي ) البينة : الحجة والبرهان : أي إني على برهان من ربي ويقين ، لا على هوى وشك ، أمره الله سبحانه بأن يبين لهم أن ما هو عليه من عبادة ربه هو عن حجة برهانية يقينية ، لا كما هم عليه من اتباع الشبه الداحضة والشكوك الفاسدة التي لا مستند لها إلا مجرد الأهوية الباطلة . قوله ( وكذبتم به ) أي بالرب أو بالعذاب أو بالقرآن أو بالبينة ، والتذكير للضمير باعتبار المعنى . وهذه الجملة إما حالية بتقدير قد : أي والحال أن قد كذبتم به ، أو جملة مستأنفة مبينة لما هم عليه من التكذيب بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحجج الواضحة والبراهين البينة . قوله ( ما عندي ما تستعجلون به ) أخبرهم بأنه لم يكن عنده ما يتعجلونه من العذاب ، فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء ، نحو قوله - أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا - ، وقولهم - اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء - ، وقولهم - متى هذا الوعد إن كنتم صادقين - ، وقيل ( ما عندي ما تستعجلون به ) من الآيات التي تقترحونها علي . قوله ( إن الحكم إلا لله ) : أي ما الحكم في كل شئ إلا لله سبحانه ، ومن جملة ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات المقترحة . والمراد : الحكم الفاصل بين الحق والباطل . قوله ( يقص الحق ) قرأ نافع وابن كثير وعاصم ( يقص ) بالقاف والصاد المهملة ، وقرأ الباقون ( يقضى ) بالضاد المعجمة والياء ، وكذا قرأ علي وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب ، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء . فعلى القراءة الأولى هو من القصص : أي يقص القصص الحق ، أو من قص أثره : أي يتبع الحق فيما يحكم به . وعلى القراءة الثانية هو من القضاء : أي يقضى القضاء بين عباده ، والحق منتصب على المفعولية ، أو على أنه صفة لمصدر محذوف : أي يقضى القضاء الحق ، أو يقص القصص الحق ( وهو خير الفاصلين ) أي بين الحق والباطل بما يقتضى به بين عباده ويفصله لهم في كتابه ، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم ( لو أن عندي ما تستعجلون به ) أي ما تطلبون تعجيله بأن يكون إنزاله بكم مقدورا لي وفى وسعي ( لقضي الأمر بيني وبينكم ) أي لقضى الله الأمر بيننا بأن ينزله الله سبحانه بكم بسؤالي له وطلبي ذلك ، أو المعنى : لو كان العذاب الذي تطلبونه وتستعجلون به عندي وفى قبضتي لأنزلته بكم ، وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم ( والله أعلم بالظالمين ) وبالوقت الذي ينزل فيه عذابهم وبما تقتضيه